حكومة تُشرّع الحدود... و«أجنحة» تُقفل الوطن
شارك الخبر

تسقط الورقة الأخيرة من روزنامة العام ومعها جزء كبير من هيبة الدولة، بعدما تمسّكت السلطات السياسية ببدَع «الأمن بالتراضي» و«محاورة المطلوبين» ومواكبة الموقوفين وإطلاق «شهر أمني»... في مقابل سكوت سافر عن انتهاك السيادة والأعراف الديبلوماسية، وتسجيل رقم قياسي في سرعة التراجع عن قوانين أقرّها المجلس النيابي.

انطبع العام المنصرم بحوادث أمنية دامية، وتصدّرت ملفات خطيرة الواجهة، بدءاً بمخطط "سماحة - مملوك"، فاغتيال اللواء وسام الحسن، واشتعلت دوامة العنف في طرابلس على وقع تورّط جهات لبنانية في حرب سوريا، واهتزّ الرأي العام غير مرّة بعمليات خطفٍ وقتلٍ وسطوٍ مسلّح واعتداءات على الأطفال ونزوح غير مسبوق لسوريّين وفلسطينيّين مقيمين في سوريا، وصولاً الى إفساد لقمة العيش وتزوير الأدوية.

وأقفل العام على حرب قضائية على خطّ دمشق - بيروت تمثّلت في استدعاء اللواء السوري علي مملوك بعدما كشفت أدلة التحقيق الأولي للمرّة الأولى تورّط أركان النظام السوري، وساد الحديث في المقابل عن مذكّرات توقيف سورية في حق النائب عُقاب صقر بتهمة "تسليح المعارضة السورية".

وفي السياق، أفاد مصدر قضائي مطّلع "الجمهورية" أنّ "دعوة المدعى عليهما علي مملوك ومساعده عدنان، الى جلسة أمام قاضي التحقيق العسكري أُرسلت من دون إبطاء، ووفقاً للأصول القضائية والديبلوماسية الملحوظة في الاتفاقية الأمنية بين البلدين". ونفى المصدر تسلّم القضاء اللبناني إشعاراً بتبليغ المدعى عليهما. كذلك، نفى تبلّغ القضاء مذكّرة توقيف في حق صقر، كان سبق أن أعلن مدعي عام دمشق إرسالها.

حدود سائبة وطرق محاصرة

عرفت الحدود بقاعاً وشمالاً خروقاً سورية عدّة، سقط خلالها عشرات اللبنانيين المدنيين، من دون أن يصدر أي احتجاج من الحكومة على رغم الدعوات الى استدعاء السفير السوري والمناشدة بطرده، ليبقى موقف رئيس الجمهورية وحيداً رسمياً في رفض انتهاك السيادة.

توازياً، شكّل الخطف المتبادل بين لبنان وسوريا لأهداف سياسية ومادية، عنواناً عريضاً للعام، وطاولت فصوله سوريّين ولبنانيين فضلاً عن تركيَّين وعدد من الخليجيين الذين أُطلقوا لاحقاً.

وبدا لبنان متفرّجاً على "أجنحة عسكرية" تقفل جزءا منه وعصابات تُمسك بعنق الأثرياء في جزء آخر، ومع هذا المشهد عُزل البلد سياحياً وأحجم العرب عن زيارة بلاد الأرز.

ووسط هذه الأجواء الملبّدة، أوقف الجيش عدداً من المتورّطين بعمليات الخطف، وأعاد مع بقية القوى الأمنية عدداً من المخطوفين، وبعد أسابيع من الاستعراض التلفزيوني المسلّح في شوارع العاصمة واستنفاد "الحوار الحكومي" مع آل المقداد، "طوى" الجيش "الجناح العسكري" للعشيرة بدخوله الضاحية الجنوبية وتوقيف "مقداديّين" اشتبه بخطفهم تركياً وعدد من السوريين احتجاجاً على فقدان احد أبناء العشيرة في سوريا، ويُنتظر أن تبدأ محاكمة الموقوفين مطلع العام. لكن ظاهرة الخطف مقابل فدية، استمرّت بقاعاً وبدَت مكسباً سهلاً لتجار المخدّرات.

على خطّ موازٍ، بقيّت قضية خطف الحجاج اللبنانيين في أعزاز السورية، معلّقة في ظلّ مطالب غير ثابتة للخاطفين، لكن وساطة الرئيس سعد الحريري والنائب عقاب صقر نجحت في إطلاق اثنين منهم. أما التأخير في إطلاق التسعة الباقين فقد فتح الملف على استنتاجات واتهامات عدّة، منها اتهام تركيا ودول خليجية بعرقلة الإفراج عنهم وصولاً الى تهديد الأهالي بالتعرّض للمصالح التركية.

نزيف طرابلس

طرابلس المنهكة أصلاً من جولات العنف المتكررة والتهميش الخدماتي، عرفت خلال العام المنصرم أعنَف جولات القتال، وحصدت عشرات القتلى والجرحى فضلاً عن دمار غير مسبوق. معاناة المدينة مع الاشتباكات توقفت على أثر دخول الجيش مناطق القتال وتوقيفه عشرات المشبوهين وضبطه مستودعات أسلحة. لكن معاناة أهالي "مجموعة تلكلخ" مع النظام السوري الذي اتهموه بأسر عدد من أبنائهم وتأخير تسليم جثامين الآخرين لم تنته.

كارثة الأشرفية

في 15 كانون الثاني، كانت الأشرفية على موعد مع الدموع الساخنة، إنهار مبنى قديم فيها مخلّفاً 27 قتيلاً و11 جريحاً من اللبنانيين والعمال الأجانب، المأساة أدمت قلوب اللبنانيين، رفعت دعوى في حق مالكَي المبنى وأوقفا ثم أخلي سبيلهما بكفالة، في انتظار متابعة محاكمتهما بعدما عزا التقرير الرسمي أسباب سقوط المبنى الى قدم عهده وعوامل أُخرى طارئة. الكارثة أضاءت على وجود أبنية كثيرة مهددة بالسقوط منها مدارس حكومية ومستشفيات ومحاكم، لتتوالى الانهيارات وترتفع أعداد الضحايا .

جرائم قتل

إهتزّ لبنان بجرائم قتل عدّة في وقت تستمرّ الهوّة بين نص عقوبة الإعدام وتنفيذها، وفيما سجّلت محاكمة سريعة نسبياً في قضيتَي الشابة ميريام الأشقر والصيرفي محمد الناتوت، تنتظر العدالة محاكمة قاتل الشاب رولان شبير الذي طلب له قاضي التحقيق في جبل لبنان زياد مكنا الإعدام، ومحاكمة قتلة التاجر بيار الفغالي وغيرهم.

وفي السياق، رجّح مرجع أمني رفيع لـ"الجمهورية" احتمال ارتفاع نسبة جرائم القتل بدافع السرقة مع تفاقم الأزمة المعيشية ووصول آلاف اللاجئين في ظروف قاسية.

الأدوية واللحوم

الملف الطبي والصحّي عرف بدوره أكثر من فضيحة مع حالات وفاة وأخطاء طبية داخل مستشفيات وعيادات، تلتها فضيحة الأدوية المزوّرة التي يلاحق فيها سبعة أشخاص من بينهم شقيق وزير التنمية الإدارية محمد فنيش عبد المطلب فنيش الذي لا يزال متوارياً.

وفي هذا الإطار، أبدى مرجع قضائي رفيع استهجانه لـ"الجمهورية" من تأجيل قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان جلسة الاستجواب في ملف الأدوية المزورة الى آذار المقبل.

إنفجارات وطائرة

"طائرة أيوب" عنوان آخر من عناوين التفرّد بقرار الحرب يطلقه "حزب الله" فيما تعلن إيران رسمياً دعمها إطلاق الطائرة الاستطلاعية فوق الأراضي الإسرائيلية، ما أثار حفيظة مسؤولين لبنانيين.

وعلى خطّ "حزب الله" عرفت مخازن أسلحة تابعة له سلسلة انفجارات فيما تردّد أن الحزب كان في كلّ مرّة يطوّق مكان الانفجار ويقوم بمسح الآثار وتنظيفها قبل وصول القوى الأمنية. وعلى خطّ الجنوب تعرّضت قوات حفظ السلام "اليونيفيل" لاستهدافات عدّة تارة مباشرة بافتعال إشكالات داخل القرى، وطوراً بشكل غير مباشر بتفجير مطاعم ومتاجر خمور يرتادها جنودها.

اطفال معنّفون

حقوق الإنسان تعرّضت بدورها لهزّات كبرى، خصوصاً مع الاعتداءات التي طاولت أطفالاً داخل أُسرهم ومدارسهم ما حمل وزارة الشؤون الاجتماعية على التحرّك. وتقديم إحدى الجمعيات اقتراح قانون لإخضاع العاملين في المدارس لفحوص الكفاية النفسية.

على صعيد آخر، أثار مشروع مرسوم الأشخاص المفقودين والمخفيين قسراً، جدلاً على خلفية الجمع بين المفقودين والمخفيين انقسم بنتيجته الأهالي الذين يعانون مأساة متمادية لم تنتهِ على رغم انتهاء الحرب اللبنانية.

القضاء والسجون

الخوف من الفراغ القضائي وتأخّر بتّ الملفات، كان العنوان الأبرز قضائياً، ليُعيّن أخيراً القاضي حاتم ماضي مدعياً عاماً تمييزياً، والقاضي جان فهد رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، بعد أشهر على فراغ هذا المنصب واستكمال تعيينات مجلس القضاء الأعلى على وقع التجاذبات السياسية التي أثارت احتجاج نقابتَي المحامين اعتصاماً وإضراباً.

واستمرّت الوعود بتخفيف اكتظاظ السجون والإسراع في المحاكمات، وأقفل العام مع إعلان المدعي العام التمييزي حاتم ماضي البدء بمحاكمة الموقوفين الإسلاميين مطلع شباط المقبل. في المقابل استمرّ سجن رومية مسرحاً لعمليات فرار جماعية لسجناء من "فتح الإسلام" نجح بعضها وأُحبط البعض الآخر، وعرفت سجون القبة وزحلة وبعلبك حالات شغب وتمرّد سقط خلالها ضحايا.

المحكمة الدولية

تراجعت الحملة الإعلامية والسياسية لفريق "8 آذار" ضد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، مع فشل آخر جولاته للمطالبة بتعديل بروتوكول إنشائها. فحسم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون خلال زيارته الأخيرة الى لبنان أمر التمديد، وموّلت الحكومة حصة لبنان من ميزانية المحكمة.

وخلال هذا العام شهدت المحكمة أبرز الإجراءات التمهيدية: في 1 شباط قرّر قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين السير بالمحاكمة غيابياً وصادقت غرفة الاستئناف القرار، وفي 16 شباط أحال المدعي العام السابق دانيال بلمار على فرانسين مسودة قرار اتهامي في القضايا المتلازمة المتعلّقة بمحاولتَي اغتيال نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الوطني السابق الياس المرّ والنائب مروان حمادة، واغتيال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي جورج حاوي. وعُينت جلسة محاكمة في 25 آذار المقبل، وبتت غرفة الاستئناف مسألتَي صلاحية المحكمة وقانونيتها.

ووافق فرانسين على مشاركة 67 متضرراً في الإجراءات. كذلك استكملت هيكلية المحكمة مع تعيين محامين للمتهمين الأربعة وإنشاء وحدة المتضررين والشهود. كذلك عُيّن القاضي نورمان فاريل بدلاً من بلمار الذي استقال لأسباب صحّية.

يُسلّم العام 2012 ملفاته الأمنية والقضائية الثقيلة الى خلَفه، فيما يضع اللبنانيون أيديهم على قلب القضاء وضميره كسلطة يعوَّل عليها في إعادة الثقة بالدولة والتأسيس لعلاقة ندّية مع بقية السلطات، لعلّ ربيع لبنان "الوطن الرسالة" يدخل أخيراً من بوابة حرّاس الحق.
التعريفات
شارك الخبر

التعليقات

إقرأ أيضا